أحمد بن علي القلقشندي

260

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

السلف والخلفاء ، فو اللَّه لا قطعن بطون السياط على ظهوركم ! فان حسمت مستشري دائكم وإلا فالسيف من ورائكم . فكم من عظة لنا قد صمت عنها آذانكم ، وزجرة منا قد مجتها قلوبكم ، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية ، ولا مؤيسا لكم من المراجعة إلى الحسنى إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى . ومن خطب زياد بن أبيه حين قدم إلى البصرة : أما بعد فإن الجهالة الجهلاء ، والضلالة العمياء ، والغي الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور التي ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى عنها الكبير ، كأنكم لم تقرأوا كتاب اللَّه ولم تسمعوا ما أعد اللَّه من الثواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب الأليم لأهل معصيته ، في الزمن السرمديّ الذي لا يزول . إنه ليس منكم إلا من طرفت عينه الدنيا ، وسدّت مسامعه الشهوات ، واختار الفانية على الباقية ؛ ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه : من ترككم الضعيف يقهر ، والضعيفة ( 1 ) المسلوبة في النهار لا تنصر ، والعدد غير قليل ، والجمع غير مفترق . ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار ! قربتم القرابة ! وباعدتم الدين ؛ تعتذرون بغير العذر ، وتغضون على النكر . كل امرئ منكم يرد عن سفيهه صنع من لا يخاف عقابا ولا يرجو معادا . فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرفوا وراءكم كنوسا في مكانس ( 2 ) الريب . حرام عليّ الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخير ( 3 ) بالأرض هدما وإحراقا ! إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله : لين في غير

--> ( 1 ) في العقد الفريد 4 / 200 وجمهرة خطب العرب : 2 / 270 « والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر » . ( 2 ) أي أحدثوا وخلفوا وراءكم بيوتا يختبئون بها ، وهي موضع ريبة . ثم أردف : أنها مثل المواخير . والمكنس والكناس هو مولج الوحش من الظباء والبقر تستكن فيه . ( اللسان : مادة ك ن س . 6 / 197 ) . ( 3 ) وقع في الأصل : المناخير ، وهو تصحيف لمواخير .